الخميس، 14 فبراير 2019

عيدك في الجنة يا ماما

https://www.e3lam.org/2019/02/04/398918/
https://web.facebook.com/notes/hala-moneer-bedair/%D8%B9%D9%8A%D8%AF%D9%83-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%A7%D9%85%D8%A7/10156013072721696/



تكررت الوفيات في أقربائنا لفترات متصلة، وأثناء حضوري لجنازة أحد هؤلاء الأقارب وجدتني أتساءل عما نفعل في هذه الدنيا! نعيش لنتفرَّج على بعضنا البعض؛ نمرض ونموت ثم يدفن أحدنا الآخر، بئس تلك الحياة! خيَّم علينا الحزن من جديد، حزن على من تقع تحت قدميها الجنة، كان مختلفا، حزن مشوب براحة، حزن مفاجئ بالرغم أن النهاية كانت محتومة، عاجلة أو آجلة، كانت محتومة ولكنها جاءت سريعة جداَ أو بالأصح أسرع مما ظننت!
“بطني.. بطني.. بـــاطنـــااااااي” تنادي على بطنها تتوسلها الرحمة، أو تندبها وتندب ما جرى لها من آلام لم تكن على البال ولا على الخاطر، كان صوت صراخها يشق صدري بل ويقلع قلبي من بين ضلوعي، أنا التي أخفيت عنها طبيعة مرضها، فعلم الجميع وهي لم تعلم، كنت أُوصِي النسمة التي ستمر بها بكتمان سر نوع المرض، كنت أشك أن وقع على سمعها أصداء همسنا، ولكني أعتقد أن خيالها لم يكن ليجعلها تظن أنها مريضة سرطان، وهي التي كانت طوال حياتها تخشى ذكر اسمه وكانت تطلق عليه “المرض الوِحِش”.
أمي بطلة كأبطال مستشفى 57357، وبالرغم من خسارتها الحرب أمام المرض اللعين؛ إلَّا أنها صارعته بقوة حتى مرحلته الرابعة، صبرت على فقد الوزن والشهية وتحجر البطن والانسدادات المعوية وارتباك عمليات الهضم، لم تفقد ابتسامتها وبشاشة وجهها، لم تفقد حس الدعابة في أقسى لحظات التقلص والمغص، بل شاركتنا في محاولات جذب انتباهها وإنعاش حالتها النفسية، لم تفقد ذاكرة معلمة التاريخ فكانت تجيب أسئلة التاريخ في برنامج “العباقرة”، لم تفقد خوفها وقلقها على أولادها وأولاد أولادها؛ فأوصت الكل على حاله وماله وعياله، وكانت تسارع بتقديم الامتنان والشكر لكل يد تمتد لمساعدتها.
كنت إذا أخذت بيدها إلى التواليت تقول: “معلش تعبتك!”.. وكانت إجابتي دوما: “ماتقوليش كده يا ماما، طول عمرك تعبانة علشاني مش عاوزاني أردلك جزء من اللي عملتيه؟!.. ادعيلي يا ماما”.. فترد: “ربنا يصلح حالك ويهديلك أولادك”. لو أقمت لها ظهرها من وضع النوم، أو حملتها من تحت ذراعيها تقول: “حاسبي ظهرك” ! في عز صراعها مع المرض كانت قلقة عليَّ وعلى ظهري!، لو ارتطمت يدي في شيء؛ تصرخ وتقول: “اتعورتي؟ّ!!”، غريبة هي أمي؛ قلقة على يدي من لاشيء في عز آلام غرز الجراحة في بطنها!
كانت تكره المستشفى ولا تطيق الجلوس فيها لساعة واحدة، فتُصرّ على المغادرة وتفقد تركيزها فتكرر الأسئلة: “الدكتور جاي؟”، “المحلول خِلِص؟”، “هَنْرَوَّح إمتى؟”، عذرها معها بالتأكيد، فسحب الدم وحقن الأدوية والمحاليل وتثبيت الكانيولات والقسطرات وضع يهد الجبال، وهي كانت واهنة ضعيفة وصلت بالمرض إلى مرحلة متقدمة لا يُرْجَى فيها براء.
في جولتي معها أثناء إجراء التحاليل والفحوصات والأشعات، كنت أقص تاريخ أمي المرضي لكل طبيب جديد، هو ليس تاريخا بالمعنى الصحيح، فالمدة منذ اكتشافنا لتلك المأساة وحتى ارتقائها للرفيق الأعلى لم تتجاوز الشهرين، الكارثة التي حطَّت على رأسي كانت تؤرخ بمدى الدهر، كنت أحمل في حقيبتي ورقة تحمل ملاحظة مقتضبة “أمي سهام الفيل مريضة سرطان في البطن وهي لا تعلم عن حقيقة المرض شيء، أرجوك أي استفسار يكون جانبا بعيدا عن مسمعها”.
إحساس العجز والصِغَر والضعف واليأس كان يكسوني، وفي ذات الوقت كان لزاما عليَّ أن أظهر بمظهر القوة لأدعمها وأشد على يدها وأبث الطمأنينة في قلبها، أن ما ألمَّ بها من آلام مجرد مضاعفات عادية للعملية الجراحية وسوف تأخذ وقتها ثم ستتماثل قريبا للشفاء، ولكن كل ما أستطعت فعله هو أن أكون عصا تتوكأ عليها في خطواتها، أو حائط للاستناد، أو سمكة في حوض ماء تُسَلِّي صاحبها، كنت أحس وأنا أسفل قدميها أعالج كدمات كاحليها وساقيها وأدفئهما من البرد وكأني فعلا في الجنة التي وعد بها الرحمن.
رحيل أمي جاء كالحلم تستيقظ منه محاولا أن تتشبث بأحد أطرافه كي تظل محتفظاً بذكرى ما، في ساعات احتضارها أخبرتنا أنها ذاهبة إلى أبي رحمه الله، بصقت حبوب الدواء ولم تشرب الماء، ولكنها ابتلعت بضع ملاعق من “المهلبية” بعد قرابة الشهر الذي لم يدخل جوفها شيء، ربما تكون حلاوة روح تترك الدنيا، يارب يا أمي }روح وريحان وجنة نعيم{ ، ذكرت ورددت اسمي واسم أختي طوال ليلة احتضارها، ماتت بوجهها البشوش الوردي، استراحت من عذاب الدنيا وعذاب المرض، رحمها الله ولم يكتب لها أن تعيش ميتة، فكيف أتمنى لها طول العمر وهي راقدة محرومة من كل متع الحياة، كنت أتمنى لها الشفاء من مرضها وأنا أعلم أنه لا شفاء منه في مراحله المتأخرة، ولكني لم أفقد الأمل أبداً في رحمة وقدرة الله، كنت أتوسله باسمه الأعلى الذي إذا أراد شيئاً قال له “كن” فيكون، كنت أنتظر معجزة أن تشفى وأن تستيقظ صباح اليوم التالي وقد رجعت “سهام/ سمسم” النشيطة المبهجة محبة الحياة، قد تكون معجزة الشفاء أن قبض الله روحها بمثل تلك السرعة، لم أعلم أن مريضا للسرطان توفَّى بمثل تلك السرعة، رحمها الله من آلام المرض وآلام الكيموثيرابي وجلسات العلاج الإشعاعي، رحمها الله من أن تعاني قرح الفراش والتغذية عبر أنبوب في الأنف، رحمها الله أن يتمنى المحيطون لها الموت، رحمها الله وجعل الموت شفاء، مثلما هو راحة من كل شر.
عيدك أحلى في جنة الخُلد يا ماما، وإلى أن ألقاكِ يا حبيبتي، كل سنة وربنا راضٍ عني برضاكِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق