مؤكد سَأُتَّهم أني من قافلة التافهين أن تركت كل ما قيل في المؤتمر الوطني الأول للشباب "لأتشعبط" في باب ثلاجة الرئيس الفارغة، وأسأل كيف لثلاجة "ابن الأغنيا" (كما قال) أن تخلو إلا من مياه لمدة عشر سنوات، حتى أن ثلاجة مُعدمة لفقير مُدقع لا تخلو من رغيف يابس، أو "لقمة رز بايتة" ؟! الهيافة ليست فيمن "يتصدَّر على الكلمة" الهيافة فيمن يستنكر استفهام الراغبين في معرفة جدوى حديث مرسل في كل خطاب أو لقاء، وما زاد عليه هذه المرة ذكر نوادر خاصة وغير منطقية في الطرح!تهتز الرؤوس عن يمينه وعن شماله ومن خلفه إيماءاً بالموافقة، وتضج القاعة بالتصفيق تأييداً حتى على "الكمبيوتر اللي زَرْجِن" ونائبة البرلمان (اللي كان كل طموحها إنها تسلم على الرئيس)، لكن هل وعَى هؤلاء وهم يُأرجحون رؤوسهم بِضْع نقاط هامة تحدَث فيها الرئيس على خلاف حقيقتها؟!
- يسأل الرئيس عن محاولات الدولة في الاصطدام بأحزاب أو حجب تيارات أو قوى سياسية، لو لم تعرف الإجابة اِلْقِ نظرة على البرلمان وممثليه من كافة الأحزاب والتيارات، الغالبية العظمى وجوه وديعة تُسَبح بحمد الرئيس، ولا ترى في حكومته شائبة، فكيف يكون عدم الاصطدام والحجب منة أو نعمة؟! هل يُعقل وجود اصطدام أوحجب والكل مؤيد ولا رائحة لمعارضة؟! ومع ذلك فالكل يُؤرجح رأسه موافقة ..
- يتحدَّث عن حجم المصارحة والمكاشفة وأن مستواها أكثر من المطلوب (بزعم تهديد الأمن القومي)، هل كان كم المصارحة والمكاشفة أكثر من المطلوب في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين التي تمت في يوم وليلة؟! دون أدنى قدر من مصارحة ومكاشفة وباعتراف سابق للرئيس، أن الإعلان عن الاتفاقية في وقت مبكر عن التوقيت الذي تمت فيه كان سيثير الرأي العام ويؤدي إلى شقاق بين شعبي البلدين الشقيقين، فعن أي مصارحة ومكاشفة يتحدث الرئيس ؟! ومع ذلك فالكل يؤرجح رأسه موافقة أيضاً ..
- يُكَرِّر ويؤكد أن الظرف صعب، والاقتصاد مُتردِّي، ولكنه أدَّى دوره وقام بواجبه على أتم وجه، ليبقى الدور على الشعب المطلوب منه الصمود والصبر والتحمل والسكوت، ومطلوب من ثلاجاته أن تأخذ من ثلاجة الرئيس مثالاً يُحتذى به في ربط الحزام وعزة النفس والكرامة ! ومازال الكل يؤرجح رأسه موافقة ..
- تتعدد التحديات وتندر موارد الدولة في مشروعات مثل تطوير التعليم، لكنها وفيرة ومتوفرة في مشروع مثل قناة السويس الجديدة، تتوفر آلاف الجنيهات لقضاة وعسكريين من الشرطة والجيش، ولكن مصر في موقف صعب أمام رفع بدل عدوى الأطباء عن 19 جنيه، لتظل إجابة الرئيس أمام كل سؤال يعرض مطلباً للتطوير عن مدى إمكانية تحقيق المطلب في الوقت الراهن تحت شعاري : "منين وبكام" وَ "أنا مش مش عايز أديك، أنا مش قادر أديك" ، والكل يؤرجح رأسه موافقة ..
- يرى في الزج بآلاف من الشباب المصري بتهم واهية حمايةً للدولة، لأن مطالبتهم بالعدل والحرية وحملهم مشاكل المواطن على عاتقهم نشرٌ للمناخ التشاؤمي، ومنفصلون عن الواقع ومزيفون لوعي الناس كل من يعرض المشاكل ويطالب بحلول عاجلة وسرعة إنقاذ، ومتهمون بخلق حراك من عدم الرضا والسخط العام كل من يتحدث في غلاء الأسعار وانحدار قيمة الجنيه المصري والتخوف من تفاقم المشكلة الاقتصادية التي تؤدي إلى عجن المطحونين.
وإلى أن ينتهي هذا المؤتمر في الأيام القليلة القادمة، ننتظر التوصيات التي سيتمخَّض عنها، لعله يؤتي ثماراً لم يأتِ بها المؤتمر الاقتصادي الماضي، ولكي لا تتوقف نهضة مصر على خلو "ثلاجات" شعبها إلَّا من مياه تيمناً بثلاجة الرئيس!
ربما كانت لتحدث ثورة ما.. ولو أن هذا محض خيال، فإنه من واقع نجمة في الصحافة العربية قضت عمرها كله ببلاط صاحبة الجلالة المقدس، إنها سناء البيسي، فعلى مدار الأيام القليلة الماضية قد لفت غيابها الأنظار، وفطر قلوب متابعيها توقفها عن الكتابة لأسابيع..
سيدة الصحافة العربية كما يُحب كثيرون دعوتها بهذا اللقب؛ كانت نبضاً لكل الطبقات دون تمييز، أبرزت أدق تفاصيل المجتمع ومشاكله المعقدة، فكانت هموم المواطن وبمنتهى التأمل والتأثر قضية عمرها، لا تحب الظهور أمام الكاميرات فقلمها هو عصاها السحرية الذي يُبَلِّغ مرادها ورؤيتها، فيغنيها عن الظهور التليفزيوني أو تعدد الحوارات الصحافية.
وأنت تقرأ لها تسحرك لغتها المحكمة فهي قاموس للمعاني ومعجم للمرادفات، تكتب بريشة رسام عندما تتحدث عن الفن، وتكتب بأسلوب الباحث المتعمق إذا قصدت درباً من دروب الثقافة، وتتلبس روح شهرزاد عندما تحكي وتسرد القصص، مفرداتها سلسلة لا تخاطب بها فئة ذات ثقافة بعينها، وإنما تكتب من عمق كل طبقة بأسلوب لا يُختلف في تقبله، لتصبح مؤلفاتها ومقالاتها العديدة من الناس ولكل الناس.
تجدها ينبوع من الرومانسية والاحترام عندما تتحدث عن زوجها الراحل الفنان التشكيلي منير كنعان، تؤكد على دعمه وتشجيعه لها، ويبهرك تواضعها وإنكار ذاتها تجاهه بقولها: ” أنا من دونه امرأة مجوَّفة”، حتى أن صلاح جاهين تلمَّس عذوبة ذلك الحب عندما كتب الأغنية الشهيرة ” ماتجيبلي شَكَلاتة” عندما علم أن كنعان “يصالحها” بإهدائها الشوكولاتة.
صادقت وزاملت ولازمت عمالقة الصحافة، ففي حوارات قديمة ونادرة لها تجدها تفيض بكل التقدير والامتنان لأولئك العظماء، إذ تعدد مآثر الكاتب الكبير مصطفى أمين وكيف كان له الفضل في اكتشاف موهبتها الصحافية، وإعطائها فرصة لإثبات جدارتها، وتدريبها على العمل الصحافي بمختلف الأساليب، إلى أن نصَّبها رئيسة قسم المرأة بأخبار اليوم، واعتماد إبراهيم نافع عليها في تأسيس مجلة “نصف الدنيا”، كما كانت تكن للأستاذ محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين فضلاً خاصاً في دعمهما لها أثناء الأزمات.
لم تتوج ملكة على عرش قلوب القراء فحسب، فأسلوبها الأدبي المميز جعل عظيم نوبل “نجيب محفوظ” يكتب لها “لا أستطيع أن أبلغ ذروة بلاغتك”، قامت بتقديم مقدمة أدبية لكتابه الذي جمع فيه ما يقرب من 300 حلم بعنوان “أحلام فترة النقاهة..الأحلام الأخيرة”، كما أنها خرَّجت جيلاً من المبدعين أمثال عمر طاهر وزين العابدين خيري.
الصحافية الشابة التي خطت أولى خطواتها بجريدة الأخبار فنانة تشكيلية مرهفة الحس أبت أن يُطلق مسمى “صحافة نسائية” على أعمال الكاتبات السيدات، فإبداع الكاتبة لا يُشَبَّه وكأنه عمل منزلي يحتاج لارتداء مريلة مطبخ ( على حد تشبيهها)، وعندما داهمها سن المعاش الذي لم تعطه حساباً أو تعره اهتماماً، وبعد مسؤوليتها التي استمرت سبعة عشر عاماً تم تنحيتها عن مجلة نصف الدنيا، مما ترك في صدرها إحساس بالمرارة، ولم يخفف من ألم ذلك الجرح سوى بقاءها على صفحات الأهرام بكتابة مقال أسبوعي.
من أبرز مؤلفاتها :
“في الهواء الطلق” – قصص قصيرة نشر سنة 1973 “أموت وافهم” نشر سنة 2001 “الكلام الساكت” نشر سنة 2003 “سيرة الحبايب” نشر سنة 2009 ” مصر يا ولاد”- مقالات نشر سنة 2010
من أعمالها التي جسدتها الدراما مجموعتها القصصية “امرأة لكل العصور” في المسلسل الشهير “هو وهي” عرض 1985 بطولة سعاد حسني وأحمد زكي، التي طرحت وعالجت فيها عدد من القضايا بين الرجل والمرأة، وأيضاً مؤلفها الذي حمل اسم “الكلام المباح” وتم تقديمه بنفس العنوان كمسلسل تليفزيوني في 2005 بطولة دلال عبد العزيز وحسين الإمام، وتم تقديمه كمسلسل إذاعي حمل نفس الاسم بطولة معالي زايد وسماح أنور وعزت العلايلي.
http://www.e3lam.org/2016/10/18/154870 https://www.facebook.com/notes/hala-moneer-bedair/3-%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1/10154041425706696 أصبح من المتكرر وقائع إيقاف أو إقالة كل من يجرؤ ويُقدِّم نقداً لوزير من الوزراء، في موجة جديدة لقمع الحريات والحجر على الآراء، ليبقى المسؤول عن قرار الإيقاف أو الإقالة متجاهلاً الهدف الأساسي من وراء أي نقد بنَّاء، وهو دفع ومتابعة أداء الوزراء ومنظومات العمل داخل الوزارات، مما يضمن تحقيق واستمرارية التطوير، وخلال الأيام الأخيرة أصبح لدينا 3 وزراء يقفون بعد الخط الأحمر أي لا يستطيع أي ناقد تجاوزه هذا الخط وتوجيه أي انتقادات لآدائهم للصالح العام .
وزارة الاستثمار: الوزيرة داليا خورشيد
أصدرت شبكة تليفزيون ON TV، بيانًا، أعلنت فيه فسخ تعاقدها مع الإعلامية رانيا بدوي، بعد تقديمها أولى حلقات برنامج “كل يوم” مع الإعلامي عمرو أديب، على خلفية مهاجمتها لوزيرة الاستثمار، داليا خورشيد، جاء فيه : "تؤمن شبكة قنوات ON TV بأن المبادئ الإعلامية وقيم وشرف هذه المهنة لا يتجزأ، وتحمل القناة على عاتقها مهمة إعلامية وطنية تعتبرها تحدياً غير مسبوق فى ساحة الإعلام التليفزيوني من خلال الإصرار على تقديم إعلام حر ومستقل يحترم عقل المشاهدين بلا إسفاف أو إسراف أو إساءة أو خرق لأخلاقيات هذه الرسالة النبيلة، وقد نجحت ON TV فى أسابيع قليلة من أن تحتل مكانة لدى المشاهدين، ارتباطا بذلك فإن الشبكة تعتذر عما جاء فى أحد برامجها من إساءة وتجاوز فى حق إحدى الشخصيات العامة" ..
وقد قالت رانيا بدوي خلال تقديمها أول حلقة لها ببرنامج “كل يوم” مع الإعلامي عمرو أديب، عبر فضائية On E : “السيدة وزيرة الاستثمارة من أسوأ وزراء الاستثمار في مصر، وأقصد هنا سوء الإدارة وليس سوء الشخصية، فلم نسمع عن رحلات مكوكية للإستثمار في مصر، لا قرارات، لا تعديلات، ولا أحد يعرف اسمها”.
يُذكر أن الوزيرة كانت قد تلقت الكثير من الانتقادات بعد مضي فترة قصيرة من تعيينها بسبب تصريحاتها حول رغبتها في زواج الفرصة بالمستثمر، إذ قالت : "هناك مستثمر محلي وأجنبي وهناك فرصة، المستثمرين تايهين جوانا، إحنا عايزين نجَوِّز المستثمر للفرصة ويخلفوا كمان”، مما أثار ذلك التصريح موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي ومن أعضاء مجلس النواب.
قام محافظ دمياط الدكتور إسماعيل طه بإصدار قرار نقل وندب محمد عبد الوهاب الطلخاوي، مدير مدرسة النصر الإعدادية بدمياط، بسبب رأي كتبه على فيسبوك بخصوص وزير التربية والتعليم الهلالي الشربيني، وقد حاول المحافظ تخفيف وطأة الأمر بأن القرار ليس بسبب وزير التعليم، وإنما بسبب بوست حمل تهديداً لوكيل المديرية وخروجه عن مقتضى الواجب الوظيفي وعدم مراعاة قواعد اللياقة وتقاليد المهنة، وأن القرار ليس وقفاً ولا نقلاً، وإنما مجرد ندب لديوان مديرية التربية والتعليم لحين انتهاء التحقيق معه..
وجاء رد مدير المدرسة الموقوف بنفي أى تهديد قام به لوكيل المديرية، فيما وجه حديثه للمحافظ، أن القرار المتعسف ضده ما هو إلا إرهاب وتكميم للأفواه، واعتماد المحافظ على تقارير من مديرية التعليم دون فتح تحقيق حقيقي أو إخطاره عن طريق مخاطبات إدارية .. فقرة نقل مدير مدرسة بدمياط عقاباً له لنقد وزير التربية والتعليم ببرنامج العاشرة مساء https://www.youtube.com/watch?v=agBANCPYPhA
وزير الزراعة: عصام فايد
في 22 سبتمبر2016 قرر الدكتور عصام فايد وزير الزراعة تعيين الدكتور حامد عبد الدايم المتحدث باسم مركز البحوث الزراعية، بدلاً من عيد حواش، المستشار الإعلامي للوزير والمتحدث الرسمي بإسم الوزارة، على خلفية انتقاد حواش قرار الحكومة بالتراجع عن حظر دخول الأقماح المصابة بالأرجوت..
وفي اليوم التالي جاء رد حواش بأنه يحترم رغبة وزير الزراعة، عصام فايد، في إقالته إذا كانت تصب في صالح الاقتصاد الوطني الذي نسعى دائماً إلى رفعته وتعزيز فرص عمل حقيقية لأبناء مصر من خلال تطوير الزراعة ومراعاة حقوق الفلاحين .. يُذكر أن عديد من الوزراء السابقين سجلُّوا اعتراضهم وانتقادهم للحكومة في هذا الملف ..
شعور مختلف .. فأنا أقرأ في كتاب واحد عن أكثر من مائة عمل أدبي من خلال أكثر من مائة مقال فني للأسطورة علاء الديب، عشرات المقالات خلال ثلاث عقود، وأنا في أحدها لم أكن بعد جنيناً في بطن أمي، إنه كتاب “عصير الكتب” ..
الكتاب ليس نقديَّاً بالمعنى المتعارف عليه من استخدام عبارات إنشائية، أو متبعاً لمنهج تقليدي جامد، وإنما كتاب تُحفَّز من خلاله على اقتناء كثير من الأعمال الأدبية التي شغف بها القدير علاء الديب، مع بداية الكتاب تجد شهادة عظيمة من الكاتب “إبراهيم أصلان”، وهي في الحقيقة شهادة على شهادة؛ أبداها الكاتب علاء الديب على حقبة ثرية ومثيرة (كما وصفها أصلان) من تاريخ هذا الوطن، تلاها تهنئة من الكاتب بلال فضل ببلوغه عامه السبعين، يتخللها مديح وثناء في قامة الديب من خصال نكران الذات، والانشغال بالعمل والمعرفة في تصوف وزهد..
الكاتب والروائي الفذ الذي قضى أربعين سنةً من حياته وسط الكتب، ومر عليه ثلاثة أجيال من الكتاب بكل قامته تلك يقول عن نفسه؛ أنه ليس ناقداً وإنما يقوم بعمل “عرض أو استعراض للكتب/ Book Review” ، إذ كان يُقدِّم كل خميس قصة مختلفة في باب “عصير الكتب”على صفحات مجلة “صباح الخير” وذلك على مدار ثلاثين عاماً، ثم قام بجمع كل تلك المقالات في كتاب اسمه “عصير الكتب” صدرت طبعته الأولى في 2010 عن دار الشروق، مؤكداً أن هدفه الأساسي من مراجعاته تلك؛ هو مشاركة في التفكير العام، فاختياره للكتاب سؤال، والكتابة عنه محاولة للبحث عن إجابة لذلك السؤال ..
الكتاب يضم مائة وأحد عشر عملاً للعديد من الكتاب، ليسوا فقط من المصريين، وإنما اهتم بمتابعة العديد من كتاب ومثقفي العالم العربي، من لبنان وفلسطين والبحرين والمغرب وغيرها، ذلك العدد الضخم من الكتب تنوع في عرض العديد من القضايا التي تؤرخ حياة المجتمع العربي، مثل القضية الفلسطينية ونكسة يونيو ومأساة الأسر، وحرب أكتوبر والاستشهاد والسلام والانفتاح والتضخم، وروايات تسجل نشأة الصناعة المصرية والمطحونين بين الظلم والفقر والتوق للعدل والحرية، وقهر المرأة في المجتمعات العربية، والانتقال الصعب الموجع للمجتمع العربي من البداوة إلى حياة النفط، وأزمات الطبقة الوسطى، والريف المصري وشخصية الفلاح، حتى القراءة في الفانتازيا كان لها مكان في عصير الكتب ..
يبدأ عرضه للكتاب من خلال عنونة المقال النقدي بنفس عنوان العمل الأدبي أو بعنوان آخر اختاره بنفسه، ثم يعرض معلوماته الأساسية (اسم الكتاب، المؤلف، الناشر)، ثم يُعطي قراءة نقدية دقيقة وموجزة في أسطر قليلة بالكاد تتم الصفحتين ونادراً ما وصلت إلى ثلاث صفحات أو أكثر، ثم يُعطي لمحة قصيرة عن أحداث الكتاب (قصة أو رواية أو مجموعة قصصية أو الأعمال الكاملة لبعض الكتاب)، ثم يستفيض في رؤيته الخاصة أو تفسيره للإسقاطات التي وردت بالعمل الأدبي، من خلال ربط وتحليل تلك الإسقاطات مع ما يواجهها في الواقع الحقيقي، كما أنه يذكر بعض الجُمل أو الفقرات التي عملت في نفسه شيء ما، أو وجدت لديه صدىً يستحق الإشادة، مثل ما أشار إليه في كتاب “بشاير اليوسفي” لرضا البهات : “لا شيء يرفع عن النفس اليأس والقنوط والأحزان سوى ضوء قطعة من الفن الصادق الأصيل، الذي يحاول ترتيب الواقع، ويبعث ما فيه من قوة وأمل” ..
كَرِهَ تقسيم الحياة الأدبية إلى أجيال وإنما كان يفضل على الدوام تصنيف الكتاب بحسب مدارسهم واتجاهاتهم، كان يُغرم ويُفتن بكل كتاب ومؤلف يكتب عن الريف والفقراء، يُسلِّط الضوء على الأعمال الأدبية التي يراها تستحق مزيداً من اهتمام القراء والنقاد، ولا ينتقد لمجرد النقد، فتجده عند الثغرات أو الهفوات يُغَلِّف نقده بسبب أو بمبرر للكاتب، كإحدى تعليقاته: “الحرارة والصدق لا تغفر له ارتباك الجملة الأدبية أحياناً”، لو كان نقده لاذعاً فإنه بلسعة برد الخريف الجميل، كما في نقده لأسلوب الغيطاني في كتابه “هاتف المغيب” : (العمارة الكلية للبيت “الرواية” والاتصال بين العمارة ووظيفتها “الرواية-القاريء” مازلت فيما أعتقد- هي مشكلة الكتابة عند جمال الغيطاني.. ماذا يريد الأديب من استحضار هذه الروح؟ وماذا يريد من كل هذه الدقة والجهد والإتقان؟ هو-بالقطع- يريد أن يدلنا على معانٍ خافية تبعثها المشربيات، والمآذن الباسقة في أفق المنيب القاهري الفريد) ..
في كثير من مراجعاته النقدية كان يذكر أن أحداث الرواية أكبر من الاستعراض في هذا الحيز الضيق، ثم يترك للنقاد المجال أو يدعوهم للحديث عن تحقيقات في اللغة والشكل الروائي، يذكر تاريخ ومكان الإصدار وإذا ما كان يتم الإعداد لجزء ثاني من العمل الأدبي، وكان يذكر نبذة عن حياة الكاتب وعمله والمناصب التي تولاها ولا ينسى بالطبع الثناء عليه وعلى فنه وأدبه بكلمات عذبة ومعانٍ رقراقة كلٌ بحسب ما أبدع فيه، وإذا لم يعرف عنه الكثير فإنه يقول لا أعرف عنه الكثير، وفي أثناء الحديث بشكل عام عن عمل روائي فكان يستخدم الكلمات والأوصاف التي تضعك في بنية مجسمة للعمل وكأنك داخل بلاتو تصوير، أو كأنك مشاهد تشاهد الكتاب من خلال عمل درامي على شاشة تليفزيون أو سينما ..
من أكثر العبارات التي ذكرها ولمست قلبي : (الوقائع هي الوقائع ولكن عندما يُعيد ترتيبها أديب أو فنان فإنها تتخذ في النفس معاني وأبعاداً، أكبر منها وأعظم أثراً في النفس) ..
وأخرى في حديثه عن كتاب “عباد الشمس” وهو عمل لكاتبة فلسطينية : (يُعلمنا هذا النوع من الأدب – أن أول الأعداء.. هو تسترنا على الأخطاء والحقائق الضعيفة، يعلمنا هذا النوع من الأدب أن الأعداء يختفون جيداً خلف أوهامنا.. خلف الأكاذيب التي نصنعها وخلف الأصنام التي نخشى تحطيمها)..
عصَّار الشجن علاء الديب الذي رحل عن عالمنا في فبراير2016 لم يغفل رثاء أصدقائه في كتابه “عصير الكتب” أثناء تناول عمل من أعمالهم، ولرد جزء من جميل هذا العظيم لابد من تسليط الضوء على رواياته ومجموعاته القصصية، وتناولها بشيء من الحب والتقدير ولفت الانتباه كما فعل هو للعديد والعديد على مدى عقود ..
استعد .. فأنت الآن على موعد مع “شَرْبَة”، ليست من النوع كريه الطعم أو الرائحة والتي تسبب مزيداً من “مَوَعَان النفس” للمريض، وإنما “شربة” أعدَّها لنا د/ أحمد خالد توفيق من خلاصة كتابات ومقالات في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، لعلها تهدي القاريء للتقرقة ما بين هو علمي، أو نصف علمي، أو شبيه بالعلم، أو لاعلمي ..
كتاب “شَرْبَة الحاج داوود”، عرض فيه لنا الكاتب الطبيب تاريخ الطب في اكتشاف عدد من الأمراض، والتدرج في اكتشاف الفيروسات أو البكتريا المسببة لها، شرح لنا عن معنى الفرع المسمَّى”طب المناطق الحارة- وهو تخصص الدكتور أحمد خالد توفيق” التخصص الذي يكتب أصحابه على لافتات عياداتهم في مصر “مختص أمراض الكبد والحُميَّات” ، وكيف كان للاستعمار البريطاني الفضل في اكتشاف تلك الأمراض المتوطنة على يد علمائه وأطبائه، بالرغم أن نيته في البداية كانت الحفاظ على جنوده من الأوبئة، واستعباد شعوب قوية منتجة خالية من الأمراض، إلَّا أن العالم كله اليوم يعيش في مأمن من تلك الأمراض الفتَّاكة ..
وصف لنا عقيدة بعض الأطباء (اخلق مرضاً لا وجود له ثم عالج المريض منه)، إذ يوهم الطبيبُ المريضَ بأنه “صاحب عَيَا” ويرهقهه في دوامة من التحاليل والفحوصات، ثم يعطيه الدواء وفي النهاية يقنعه بأنه تماثل للشفاء، وشرح لنا عن عشاق الأدوية وصاحب “متلازمة منخاوزن” وهو المتمارض مدمن المستشفيات، كما حدَّثنا عن “نظرية الميازما” إذ كان الاعتقاد السائد في القِدَم أن المرض ناجم عن العفن والنباتات المتحللة التي تنتقل عندما تهب الرياح على الماء، بل والاعتقاد الذي سيطر على البعض بأن الطاعون كان ينتقل عبر عيون المرضى مما جعل المحيطين بهم يعصبون أعينهم !
شرح لنا كيف أن الإنسان كائن وهن، ينتصر عليه كائن لا يُرى بأقوى المجاهر، ويستطيع أن يتركه جثة هامدة، حدَّثنا عن شراسة الفيروسات وكيفية تطويرها لنفسها دون توقف، فاللقاحات التي تصدت لها بالأمس عجزت عن مكافحتها اليوم وستعجز في ذلك غداً، وعدَّد لنا مجموعة من الفيروسات النزفية وعن فترات الحضانة وطرق الإصابة وكيفية العدوى وشكل الأعراض، وعدم وجود لقاح فعَّأل لأغلب أنواع الحمى في مراحلها المتأخرة، تحدَّث في خمسة فصول متتالية عن النصب في الطب والعلاج الزائف بالأعشاب والأوزون والأنزيمات والحمام وتحت الهرم حتى وصل إلى النصب بـ”جهاز الكفتة” المزعوم في فصل عنونه بـ “شربة الحاج داود” نفس اسم الكتاب، وكيف أنه منذ قرون طويلة استخدمت الجيوش جثث قتلى الطاعون كسلاح بيولوجي في حرب بدائية بيولوجية أودت بحياة الملايين !
بالرغم أن أغلب الكِتَاب شمل مقالات علمية عن تاريخ الطب، إلا أنه في فصله الأول عن ما ذكره من موقف من سيرته الذاتية كان بِلَغة سلسة استطاع من خلالها تجسيد صورة للمكان دون تعقيد أو إطالة، واهتم بسرد مشاكل المجتمع المصري في قالب كوميدي تخيلي عن وفاة “فيروس كورونا” الذي قدم إلى مصر غازياً ظانَّاً أن تكدس البشر فيها سيكون خير معين له في إقامة مستوطنة وبائية، إلا أن أزمة المرور وعوادم السيارات ودخان السجائر أودى بـ “الفيروس” للخضوع إلى جلسات استنشاق، وعندما حاول الهروب اعترض طريقه “فيروس C” البلطجي وأخذه مقص حرامية وطالبه بإتاوة، وعندما حاول الاحتماء في أعلى الجهاز الهضمي للمصريين فوجيء باللبن المخلوط بالسيراميك، واللحم منتهي الصلاحية، والزيتون المطلي ورنيش، والجبن المحفوظ بالفورمالين ..
شمل الكتاب باباً بعنوان “بعيداً عن الطب” ، وبالرغم أني لم أستسغه شخصياً وأحسسته دخيلاً على الأجواء الطبية التي غمرني بها في الأجزاء الأولى من الكتاب، إلَّا أن الطابع العلمي لم يُفارق تلك المقالات أيضاً في حديثه عن برامج التجسس واختراق الشبكات وسرقة المعلومات على الإنترنت، وما أن فرحت بِوَصْلة “نوستالجيا” في حديثه عن جهاز الفيديو وأيام تأجير شرائط الفيديو إلا أنه سرعان ما أدخلني في دوامة من أنواع عدسات السينما وكاميرات التصوير وتقنيات العرض والنظارات ثلاثية الأبعاد، إلَّا أن الفصل الأول من ذلك الباب والذي حمل عنوان “أنت وقطة شرودنجر” أكثر ما لمس قلبي في حديثه عن نقاط التفرع الجوهرية التي تقود كل إنسان إلى منعطفات جديدة في حياته، ولكنه سرعان ما أدخلنا من جديد في الأجواء الطبية عبر باب “فتنة انفلونزا الخنازير” بمجموعة من مقالات ترسم كم الرعب إبَّان انتشار أخبار ذلك المرض ..
لاحظت أن بعض العبارات أو الفقرات تكررت في أكثر من مقال، ولكن لا ضير من هذا فنحن لسنا بصدد رواية متواترة الأحداث، وإنما عدد من مقالات تتكلم في مجالٍ واحد وترصد مشاكل في دائرة مفرغة تتكرر بعينها كل حين، الدكتور أحمد خالد توفيق ذو الكلام الطبي العلمي صاحب الخيال القصصي استطاع أن يسلط الضوء على أن العلم والتعليم الجيد هو الحل السحري لكسر تلك الدائرة المفرغة التي تحوم فيها المشاكل في مصر وتتفاقم حد الكوارث، وكيف أن مهنة التدريس في منزلة مقدَّمة على كافة المِهن الأخرى، مؤكداً على وجوب تنمية العقلية النقدية للبحث عن الدليل والإثبات لكل ما يُعرض علينا، وأن الإعلام المضلل بكافة وسائله هو المسؤول عن انتشار وباء من التخلف العقلي.
المصري "محمد سعد محمود" سافر من مصر إلى السعودية هرباً من البطالة، لِيَفِرَّ من السعودية إلى مصر هرباً من نظام الكفالة، وبعدها تقدَّم أخوه ببلاغ للأمن حال وصوله للجزيرة ليتم البحث عنه دون أي أمل بالعثور عليه حياً أو ميتاً، وبعد شهور وجدوه جثةً متحللة حتى الهيكل العظمي على جزيرة تيران المصرية، لقد مات المسكين جراء الإرهاق من السباحة والجوع والعطش، ولم تنفعه بضع مئات من الريالات سواء كانت راتبه المُدَّخر أو كما يدَّعي البعض أنها نقود سرقها من كفيله، فالمهم أن المحصلة النهائية هو ميتة شنيعة على تراب مصري يستميت النظام وأنصاره بإثبات سعوديته، وعقول وألسنة لا تملك أقل قدر من إنسانية للخوض في عرض إنسان هو في كل الأحوال ضحية إهمال واضطهاد .. تلقيت نبأ العثور على جثة الشاب على جزيرة تيران وأنا على أحد شواطيء شرم الشيخ في نقطة هي الأقرب إلى جزيرة تيران، تبزغ أمامي الجزيرة الذي قضى القضاء المصري باستمراريتها ضمن الإقليم المصري، ولازالت بعض الفنادق والمنتجعات تحمل في أسمائها كلمة "تيران"، وتنطلق إليها الرحلات البحرية كل يوم للغوص واستكشاف الطبيعة الخلابة في قاع البحر، وكان يسبح أمامي في نفس لحظة قراءة الخبر أسرة سورية كبيرة العدد من كافة الأعمار، عندها تبادر إلى ذهني أن هؤلاء السوريين الذين طالما صدَّع مطبلون السيسي أدمغتنا بمأساتهم هم الآن في حال أفضل من ذلك المصري، هم الآن ينعمون بماء البحر وأشعة الشمس ودفء الشاطيء ورغد العيش في بلد هو بالنسبة لهم بلد مهجر، في الوقت الذي تُنقل فيه جثة المصري إلى شرم الشيخ، والذي هُدِرت كرامته مرتين، مرة بنظام الكفيل السعودي، والمرة الأخرى حين هُدِرت حياته حين فكر الرجوع إلى وطنه، "رميت نفسك في حضن .. سقاك الحضن حزن" أغنية شهيرة لعبد الحليم حافظ قد تكون خلفية غنائية باهرة لذلك المشهد البائس .. "مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق"، الفزَّاعة التي طالما استخدمها المضللون لتخويف المصريين، وكأن كل السوريين أصبحوا متسولين باعة مناديل في إشارات المرور، لا يذكرون أن آلاف منهم يعيش في مصر حياةً أفضل من المصريين أنفسهم، صحيح أن ملايين تم تهجيرهم من سوريا العزيزة هرباً من الحرب، ولكن في مقابلهم كان ملايين المصريين قد تم تغريبهم عن وطنهم طوعاً بحثاً عن لقمة العيش، وصحيح أن آلاف السوريين قد ماتوا غرقاً في البحر وآلاف ماتوا تحت الأنقاض في سوريا، ولكن سبقهم إلى الغرق أيضاً مصريون هربوا بطرق غير شرعية، وآخرون ينتظرون الموت كل يوم من فساد مستشرٍ في بلد نظامه الفاسد لم يسقط بعد، إذاً فالنتيجة النهائية التي هي حال ملايين من المصريين لعقود متتالية هي شبيهة إلى حد كبير بحال جديد لكثير من السوريين في الخمس سنوات الأخيرة، دون صواريخ روسية أو براميل متفجرة، هي الموت جوعاً ومرضاً وفقراً .. ربما تحرك حادثة المصري على جزيرة تيران المياه الراكدة في قضية العمالة المصرية ونظام الكفيل السعودي، فكم تعددت حالات الانتهاك والاضطهاد والإجبار على تقديم التنازلات ليتم نقل الكفالة أو الرجوع إلى مصر، أو العيش لشهور دون تلقي المستحقات المالية واحتجاز جوازات السفر، وربما تعرضوا في نهاية الأمر لمحاكمات غير عادلة في وقائع ملفقّة انتقاماً منهم، وفي المقابل لابد من تقوية دور السفارة والتأكيد على ضرورة أن تكون هي الملجأ والملاذ لكل مصري لا يستطيع انتزاع حقه ومنعه من أن يُعرِّض نفسه لتلك النهاية المأساوية، وربما كانت تلك الحادثة أيضاً خير شاهد على قضية حُبِسَ فيها عشرات ممن قالوا وكتبوا بمصرية جزيرتي تيران وصنافير .. من المآسي اليومية يتضح جليَّاً أن النهايات السعيدة لا توجد إلا في خيال السينما، فالممثل توم هانكس الذي عاش على جزيرة وحيداً لشهور في فيلم "كاست أواي"، واستطاع أن ينجو بنفسه في النهاية، لم تتحقق تلك النهاية مع بطلنا في العالم الواقعي الظالم، ذلك الواقع الذي يقوم فيه طفل ذو ثلاثة عشر عاماً بعبور البحر الأبيض المتوسط في إحدى مراكب الهجرة غير الشرعية بحثاً عن علاج لأخيه المصاب بالسرطان، لم يجده في وطن يتغنى له المطربون بكلمات مثل "ماتقولش إيه اديتنا مصر قول هندِّي إيه لمصر!" ، "مصر اللي عايشين من خيرها!"، وطنٌ يلفظ أبناءه حتى في اللحظات التي يهرعون فيها إليه !! .. فأعوذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال ..
تتناول رواية "بواب الحانة" حالة حسان الأزهري، الشيخ الذي ضل طريقه لعام كامل، ليكن نبراس أمل وباب توبة لمخضرمين في شرب الخمر، في البدء قام بضرب مخمور ضرباً مبرحاً توبيخاً له على حالة سُكْرِه، ثم انتهى به الحال سكيراً وبوَّابا لخَمَّارة، بعد ذهابه إلى تلك الحانة ليتلمس اعتذار السَّكير ..
من داخل حانة بمصر القديمة بمنطقة الجيَّارة، ومن خلال جنبات الكتاب سافر بك عبد الرحيم كمال في أساطير أشبه بألف ليلة وليلة، في حكاية "جَرَّة الصبر" من التراث الصعيدي، وعندما يضعك تحت القصف الأمريكي في العراق، ومن ثم حكاية عبد الله العراقي الذي وصل لنيل مصر سباحةً من خلال نهر الفرات ..
هناك شخصيات أساسية تَسَلْسَل سرد حكايتها من أول الرواية حتى نهايتها، وأخرى ثانوية بدأت وانتهت في فصل واحد، كالروائي الفاشل ومُعجَبَتِه، والدرويش والخواجاية المُلْحِدَيْن، في إشارة أن رواد الحانة في تنوع، ووفودهم لا نهائي، فمنهم من يدمن الخمر طيلة سنين ثم يتوب ويهجرها، والبعض الآخر يأتيها من حينٍ إلى حين، ولكن تبقى الحانة على حالها في انتظار مزيد من التائهين، في رمز إلى الدنيا ..
كانت هناك مشاهد شيمتها الإطالة، ومشاهد أخرى الاختصارُ كان سمتها، ولكن ما أن دخلت الممرضة "حياة" إلى الحانة كان الحكي عنها متصلاً في فصولٍ خمسة متتالية، لم يقطع التسلسل سوى فصلين قصيرين جداً، كان من الأوْلى أن يتخلل قصة حياة استمرار الحكي عن الشخصيات الأخرى، كنمط الكتاب منذ البداية، ولكن قد يكون تم تكثيف السرد فيها بالقرب من نهاية الكتاب، كونها ستغدو اليد التي ستنقذه من حالة الغرق ..
أرى أنه بالغ في سرد أسماء المشايخ وأصحاب الطرق والمقامات، إذ ذكر ما يقرب من ستة عشر اسم، إلا أن ذلك قد يكون دليلاً للمهتمين بالبحث في أسماء أخذت الدِّين في تسامحه ويسره، بعيداً عن التطرف والتشدد والغلظة والتضييق ..
بالرغم أن عبد الرحيم كمال لم يسترسل في وصف عناصر المكان، فقد ذكر فقط الإضاءة الخافتة وصوت أم كلثوم وأطباق الترمس والجرجير والأكواب الزرقاء وزجاجات الخمر، إلا أنه برع في وصف المنامات، فأثناء القراءة تحس أنك في قلب المنام، لا ينقص إلا أن تستيقظ وتجد نفسك جالساً في الحانة بطلاً من أبطال الرواية ..
بالنسبة للغلاف كنت أودّ أن يكون بألوانٍ أكثر بهجة، ولكنه ربما أخذ نفحةً من روح الغموض الذي ألَمَّ ببعض الأحداث، ولكن على كل حال أنصح بغلاف أكثر وضوحاً في الطبعة الجديدة ..
أثناء القراءة قد يهفو على بالك فيلم "ثرثرة فوق النيل" عن رواية الأديب الكبير نجيب محفوظ التي تحمل نفس الاسم، والتي هام أبطالها في عوامة جعلوها "غرزة" لشرب الحشيش، كلٌ يهذي بشكواه، والتي انتهت بانتفاضة على هزيمة وانكسار النفس بعد نكسة 67، ولكن الانتفاضة هنا كانت على لهو النفس ومتاع الحياة الدنيا الذي رُمز له بالخمر..
اهتم عبد الرحيم كمال بجعل الحكمة تتجلى على ألسنة هؤلاء السكارى، فالمآسي التي واجهوها كفيلة أن تفجرها منهم، كما عرض لمسة سياسية للأوضاع الراهنة، ذكر ثورة يناير وجاء بالفرق بين النفاق والقوادة على لسان شخصية "فريد" الإعلامي، كما لَمَسْت صدقه في وصف العاصمة بالغولة التي تأكل الغرباء وإن تركتهم يكملوا حياتهم طالبتهم بباروكة شعر وطاقم أسنان ..
لم يتح لي أن أتابع المسلسل الرمضاني "يونس ولد فضة" ولكن رائعة "الخواجة عبد القادر" تشبه إلى حدٍ ما "بواب الحانة" ، فالخواجة المسيحي عاقر الخمر قد هتف في نفسه هاتف إلى أن اهتدى للدين، وأصبح خواجة شيخا ذو كرامات، وأيضا فالشيخ الأزهري الذي هام على وجهه فترة في الحانة؛ رجع إلى صوابه في نهاية الأمر بعد أن كانت كراماته شعاع نورٍ للمهتدين، حتى "ونوس" الشيطان جعله عبد الرحيم كمال ينطق بالعظة أحيانا ..
الرواية تخبرك أن السُكر ليس فقط من الخمور، وإنما قد يُذهب العقل أيضاً نظرة حبيب أو بيت شعر أو صوت مغنية، والحانة التي لا تقدم الخمر في رمضان، قدمها عبد الرحيم كمال مباركة، وكأنها ملاذ للَّوّامة أنفسهم، يشكون همومهم فيجدون من ينصت وينصح، ولكن بوابها؛ شيخها الأزهري هو من جعل منها ذلك الملاذ، خلوة للاعتراف اللاإرادي، ومن ثم التوبة النصوح بالإقلاع عن شرب الخمر، وكأن إعراض شيخه عنه في البداية كان درساً له أن يبحث عن كيفية تكفير الذنوب التي نظلم بها أنفسنا ..
قد يبدو أن بُعد حسان عن الطريق القويم لمدة عام عقاباً له، فذاق حال السكارى لفترة، ليعلم ما الذي يدفع هؤلاء لإيذاء أنفسهم بهذه الصورة، فلا يسرع بالحكم عليهم من مظهرهم المخمور، ووجوب دعوتهم بالحسنى والأخذ بأيديهم باللين والنصح، إلا أنني أرى أن تيهه وتخبطه كي يتلقى الكرامة والإلهام والدرس من فترة التيه تلك، وأن الله يخلق الفرج من قلب الضيق، وليس للإنسان أن ييأس من رحمة الله، وألا يتوقف عن توسل المغفرة حتى لو كان مثقلاً بالذنوب ..
نهايةً؛ أتمنى أكون قد وُفِّقت في طرح رؤيتي وأن تكون قريبة من مراد الكاتب، كما أشكره أن وضع القاريء في حالة تميزت بالنورانية والصفاء والسعي للوصول للكمال ..
دائما يفوتني الجميل من أوله، لحظي العاثر لم أقرأ كتاب “إذاعة الأغاني” حال صدوره، ولكني لابد وأن أسجل رؤيتي المتواضعة لعمل بديع هكذا..
سأكون مجحفة لو قارنت كتاب “إذاعة الأغاني” بأي كتاب آخر، بل لا تجوز مقارنته بأي عمل سابق للساحر عمر طاهر، الكتاب لا تستطيع تصنيفه، ليس رواية بالرغم أنه يضم مراحل مختلفة من حياة الكاتب الذي ينعم بذخيرة ضخمة من الأحداث والمواقف؛ تجعلها مادة خام ليشكل منها كل جديد دون أن تنضب، ولا يجوز وصفه بالقصص القصيرة بالرغم أن الواحدة منها تملك قدرا معقولا من التركيز والتكثيف والمباشرة، ولا يجوز وصفها بالشعر في أي أنواعه بالرغم من تعدد العبارات الموزونة والمقفاة في معناها قد تصل حد حكم الفلاسفة، هي تلك الحالة “سيرة شخصية للغناء” .. نعم فسيرة عمر طاهر الذاتية لا تفنى ولا تستحدث من العدم ..
لمس عمر طاهر صميم القلب، ليس فقط قلوب جيل الثمانينات، وإنما أسر قلوب أشخاص أكبر وأصغر؛ وربما يصيب هؤلاء الندم أن فاتهم هذا الجيل، أو لأن لا ماهر في جيلهم يستطيع أن يجسد ذكرياتهم بمهارة جبارة كما يفعلها عمر طاهر، عمر طاهر سيعلمك كيف تبحث عن أغنية هندية، سيجعلك تستمع لأغنية “آل جالي بعد يومين” بأسى من نوع مختلف، سيعرفك على المغني الليبي أحمد فكرون كما عرفني عليه وأنا الثمانينية التي لا أعرف كيف سقطت مني علامة مميزة لجيل الثمانينات مثله ..
الكتاب أشبه بآلة الزمن التي لا تعرف بالتمام أي زر يمدها بالطاقة وأيها يوقفها، أنت الآن بين دفتي الكتاب؛ بين جنبي آلة الزمن، لا تعلم إلى أي عصر ستذهب، ولكن ما أن تستقر بك الآلة فإنك ستعيش ذلك العصر بكل صفائه وأخطاره، هكذا يفعل بك عمر طاهر يفجرك ضحكا عندما يسمعك “شتمة قبيحة” على لسان عمة صديقه اللبناني، يعلمك كيف هو اللوع؛ من خلال مشاعر الحبيبة المخلصة التي تتألم في صمت جراء غياب حبيبها في حوار عاطفي بينه وبين “سيارته”، يجعلك تختبر كيف هو التدخين وإحساس الحشيش دون أن تأخذ نفسا واحدا من سيجارة، يذكرك بأغنية مهجورة في ركن ما من الذاكرة لتعدو سريعا على يوتيوب لتجد رواد آخرين سبقوك في الوصول بحثا،تاركين تعليقا لطيفا على الأغنية النادرة مثل : “عمر طاهر اللي جابني هنا”، وهكذا حتى ترجع بك آلة الزمن من جديد عندما تفاجأ بأنك عدت حيث أنت مع انتهاء آخر صفحة في الكتاب ..
العنوان كان مخادعا بعض الشيء، ولكن من يتأمل في العنوان قبل أن يقبل أو يدبر عن شراء كتاب؛ أنه ليس كتابا للأغاني؛ وإنما سيرة ذاتية للكاتب، والغناء خلفية المواقف المختلفة التي قد تمر مرور الكرام على كثيرين، ولكن ما أن يوجد عمر طاهر في ذلك الزمان والمكان فإنه سيصنع نوستالجيا فريدة في زمن لاحق، نوستالجيا مجسمة ثلاثية الأبعاد، ذات رائحة ولون ومذاق، شفافة لكنها سميكة بالقيم والأصالة، عذبة وحلاوتها بمرارة استحالة الرجوع بالزمن إلا من خلال آلة عمر طاهر..
هذه التوصية أو الرؤية أو الرأي جاءت متأخرة شهورا ولكنها الآن لسببين، أولهما بمناسبة منشور عمر طاهر الذي يضع فيه دليلا للسائلين عن المكتبات التي يتوفر فيها الكتاب، والثاني هو أن التأخير هذه المرة علمني أن أي جديد لعمر طاهر سيكون في أول قائمة مشترياتي، أراهن على أن القراء يطالبونه بأجزاء أخرى من الكتاب ..
كيف يمكن أن يجتمع فريق عمل إعلام دوت أورج بالكامل، المحررون القدامي والجدد والمتدربون في عمل جماعي رغم أن جميعهم يعملون من المنزل وهناك من يقيم خارج القاهرة ونادرا ما يجتمعون في مكان وزمان واحد.
العمل الجماعي أحد المهارات التي نفتقدها في مصر، وتعرفها الصحف المصرية حاليا عبر فرق تنفيذ التحقيقات الاستقصائية أو من خلال فرق تصوير ومونتاج الفيديوهات الإخبارية، لكن لم يحدث أن اجتمع فريق عمل موقع أو جريدة بالكامل لتنفيذ موضوع واحد.
من هنا جاءت فكرة استخدام الموبايل أو الكاميرات الصغيرة لكي يلتقط كل زميل بالموقع صورة أو أكثر تستحق نشرها، على أن يتم تجميع الصور والتعليق عليها في رابط واحد، هو ما تقرأه الآن.
طرحنا الفكرة ونحن لا نعلم كيف ستكون النتيجة النهائية، تناقشنا هل نختار موضوع واحد ونطلب من الزملاء أن تكون كل الصور مرتبطة به، كارتفاع الأسعار مثلا، أم نبدأ بتجربة حرة في كل شيء؟، التصوير في البيت أو خارجه؟، في القاهرة أو في المحافظات؟، المهم أن تكون الصورة تصلح فنيا ويرتبط بها تعليق يضيف للقارئ شيئا.
انتصارٌ ساحقٌ آخر لمديرية من مديريات أمن الوطن، من المؤكد أن تم القبض على عصابة من عصابات خطف الأطفال أو تجارة الأعضاء، أو قد تم مداهمة خلية من خلايا الاتجار بالمخدرات أو بالسلاح، ولكن الحقيقة أنها كانت خلية ولكن خلية من نوع آخر !! الخلية هذه المرة تتكون من ثلاثة أفراد ( أو أربعة في رواية أخرى بحسب موقع البوابة نيوز ) أحدهم ممثل مسرحي، وقد تم القبض عليهم بتهمة تمثيل مشاهد توحي بأن "المواطنين يأكلون من القمامة" !! ..
فلقد شُكِّلت فِرق البحث وكُثِّفَت التحريات وهَبَّت الحملات الأمنية بالتنسيق مع رؤوساء المباحث للقبض على المجرمين المُعترفين بإثارة الرأي العام ضد مؤسسات الدولة، فالمتهمون مُتهمون باختلاق مشاهد الفقر لتوصيل انطباع خاطيء بعدم مقدرة النظام الحاكم على حل مشاكل المواطنين، وافتعال أزمات اقتصادية غير موجودة بالفعل !! وكأَنَّ مشهد المصري الذي يأكل من صندوق الفضلات جديد على نظر المصريين، فالواقعة مألوفة منذ عهد مبارك ولكن لم تجرؤ الداخلية حينها على فبركة تهمة لفريق تمثيلي بأنه يريد تقليب الرأي العام ! ومشاهد الاقتتال والتناحر في طوابير العيش التي خفَّت حدة وطأتها الآن يُقابلها مشاهد الاحتجاجات على ارتفاع الأسعار وتضخم فواتير الكهرباء وانعدام لبن الأطفال واختفاء الأدوية الحيوية من الصيدليات، كلها مرئية رأي العين، ولا تحتاج إلى خلية للتخطيط لفبركتها، ولا تحتاج لمجانين ليصدقوا تلك المزاعم !!
فالبرد يأكل في عظام الفقراء في فصل الشتاء وما أن يبدأ ذلك الفصل القاسي بصقيعه القارس إلا وتبدأ حملات التبرع بالبطاطبن والأغذية وتسقيف بيوت الريف والعشوائيات، ولا أحد يتهم بنك الكساء أو الطعام المصري بفبركة أخبار كاذبة عن الفقر وتسول البطاطين والملابس !!
والجوع والمرض أيضاً يلتهم البطون الخاوية والأجسام الهزيلة طول العام ولكن في شهر البر والإحسان يتسابق المتسابقون من أصحاب الجمعيات الخيرية ومستشفيات القلب والسرطان في تسول الزكاة والصدقات، ولا أحد يتهم هؤلاء أيضاً بمحاولة تشويه النظام وإبراز عدم قدرته على تقديم أبسط وأولى حقوق الواطنين من غذاء ودواء !!
لم يجرؤ أي نظام سابق على توجيه مثل تلك التهمة لصناع أفلام السينما الذين وصلوا لأبعد مدى في تجسيد الفقر والجوع والمرض في مصر، لم يجرؤ أي نظام سابق أو حالي على محاسبة المسؤول عن التقارير الإعلامية المُفبركة في البرامج التليفزيونية والإذاعية ومداخلات "المواطنين الشرفاء" التليفونية عن مدى سعادتهم بالإنجازات والتطورات والرخاء المكذوب، لم يجرؤ النظام الحالي على الاعتراف بمشاهد التعذيب الحقيقية للمواطنين المعتقلين والخالية من أي فبركة في التنفيذ، والمليئة بمنتهى الفبركة في تلفيق التهم للضحايا والتنصل من مسؤولية الدم المستباح !!
نعم المصريون يتسولون الطعام، فعندما لا يُوفر النظام الثلاث وجبات الآدمية لملايين من المواطنين فإن هذا ليس فبركة ولا اختلاق، وعندما يُجسده أحدهم كمشهد تمثيلي فليس هاهنا تهمة مسماة التقليب ضد مؤسسات الدولة، وإنما التهمة تُوَجَّه لمن دفع المصري للانتحار أو لقتل أسرته مخافة إملاق، التهمة توجه لمن خلق من موظف شريف موظف مرتشي ومختلس لأن ما يتقاضاه لا يكفي غلاء المعيشة، والتهمة الحقيقية توجَّه لكل من يحاول مسخ عقول الناس وإقناعهم بالرضا بالفتات في وقت هؤلاء لا يرضون بذلك الفتات لحيواناتهم الأليفة وكلاب حراستهم !
الفقر المُدقِع حقيقة ملايين المصريين، وخطه الأحمر يشنقهم تضوراً وجوعاً بلا أدنى رحمة، وبعد أن انصهرت شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى لتزيد من مساحة طبقة المُعدمين عدداً وحالاً، فإن المصريين لا ينتظرون مشاهد تمثيلية لإقناعهم بتلك الحقيقة المفجعة، فمهما بلغ من إتقان المشهد التمثيلي فلن يضاهي حقيقة التسول فقراً ومرضاً !!
قرن كثيرون مشهد الطفل السوري "عمران" المُنتشل من تحت الأنقاض بمشهد الطفل "إيلان" الذي لفظته أمواج البحر بعد أن غرق في رحلة الهروب من سوريا، وأن خيارات الأطفال في سوريا قد انحصرت بين الموت غرقاً أو الموت تحت القصف السوري أو الروسي، ولكني حين رأيت الطفل عمران يجلس وحيداً على كرسي عربة إسعاف مغطىً برماد الدمار تذكرت المدعو أحمد آدم في سخريته البذيئة في مايو الماضي من محنة أهلنا في سوريا ..
جلس الطفل "عمران" تكسو ملامح وجهه علامات الاستفهام والضياع، خرج لتوه من تحت أنقاض بيته المُدَمَّر، جفن عينه اليسرى متهدِّلاً مما يوحي بأن عينه في مكان غير وضعها الطبيعي، يحدق في شيءٍ ما، ربما كان يستعيد لحظات انتشاله من تحت الركام أو لحظات انهيار البيت، وربما فقد النطق فلم يسأل عن باقي أفراد أسرته، وربما يكون أيضاً قد فَقَدَ القدرة على البكاء والصراخ من آلام ألَمَّت به، ذرات التراب التي غطته ذكَّرتني بوصلة التهكم التي أدَّاها أحمد آدم حين ادَّعى بفجور أن مشاهد الأحياء الذين يخرجون من تحت الأنقاض ما هي إلا تمثيلية من قنوات مثل الجزيرة وبي بي سي لخداع الشعوب العربية، يُوضع فيها البودرة على شعر وقفا الضحايا المُفبركين ؟!
هل شاهد أحمد آدم جثة الطفل "إيلان" الغريق هرباً من الجحيم السوري قبل الإعداد لفقرته الوقحة؟! هل رأى عين "عمران" التي تُوحي وكأن عصباً ما في الوجه قد أُصِيب مسبباً تيبس في منتصف الوجه ؟! هل لازال مصَدِّقاً لما هذى به أن ما يُعرض على القنوات من مشاهد القصف والموت في سوريا ما هو إلا مجرد تمثيلية ؟!
وبالقياس فالقصف الجوي الإسرائيلي أمس على غزة ماهو إلا رد فعل مُبَرَّر على هجمات الفلسطينيين الوحشية، كما أفتى كثير من الزومبيز فاقدي الإنسانية! أو لأنه كما يتردد على لسان صهاينة الداخل أن قطاع غزة يضم حماس الإخوانية التي فتحت السجون في 25 يناير ولذا فحلال فيهم القصف الصهيوني! فالجرائم الإعلامية لا ولن تتوقف، ورد الجهات المعنية إما بالصمت أو بالاعتذارات الواهية عقب كل إساءة، ليظل الشعب المصري يعبّر عن أسفه عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، دون عقاب رادع لمن يزدري الدم والموت ويسخر ويُسَفِّه من خراب الأوطان العربية !
ولكن من المؤكد أن أحمد آدم وأمثاله ممن قد طمس الله على قلوبهم، فلا يحسون عجزاً أو مهانة لما آلت إليه الشعوب العربية، أو هم ممن تم تجنيدهم ليظلوا أبواقاً تبث الرعب في النفوس أن من يجرؤ على الانتقاد أو الاعتراض، أو يثور لفضح الفساد والظلم والتخلي عن الأرض فهو بالطبع خائن وعميل وممول وصاحب أجندات وكاره للجيش ومنتمٍ بإخلاص لجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم حلال فيه الطرد من رحمة السيسي ومن جنات عدن وألَّا يُدفن في مقابر المسلمين ..
قد يُفسد فرحة متابعة الألعاب الأوليمبية حرمان أبطال مصريين من المشاركة لتناولهم المنشطات، أو تصرف أرعن يقوم به لاعب مصري كأن يحمل علم دولة أخرى في حفل الافتتاح، لكن دائماً وأبداً فإن وحوشاً مصرية تربض في عرينها حتى الانقضاض لإبهار العالم بالفاتح المصري العائد بالميداليات الأوليميبة ..
كنت أسير في شوارع مدينتي مساء مباراة الأهلي والزمالك المقامة منذ أيام، ولا يغيب على أحد كيف هي الشوارع في عشية مباراة بين الفرقتين العتيدتين، للوهلة الأولى كنت أتساءل عن سبب الهدوء وقلة المارة والانتظام المروري، ثم تذكرت أن الشوط الثاني قارب على الانتهاء، ومن بعده انطلقت موجة عارمة من السيارات التي ترفرف منها الرايات البيضاء والأبواق التي تملأك بهجة بسعادة الآخرين بالفوز، إلى أن تشعر أن الموضوع قد زاد عن حده وأصبح ماسخاً الاحتفال بهذا القدر لمجرد الفوز بمباراة كرة قدم تقام كل يوم، هذا الذي لا تجده أثناء دورة الألعاب الأوليمبية التي تقام كل أربع سنوات !
يمتك الشعب المصري حس تشجيعي عنيف وفي بعض الأحيان يكون همجياً في متابعته لكرة القدم، ينتهي في معظم الأحوال بالشجار، وبمقارنة هذا الحس مقابل حس متابعة الألعاب الأوليمبية قد تجده في ندرة أو يكاد يكون منعدماً، فمن النادر أن يعطيك مصري إجابة صحيحة إذا ما سألته عن أسماء أبطال مصريين أوليمبيين قديماً أو حديثاً، لن يجيب إذا ما سألته عن أكثر لعبة أوليمبية تحصد فيها مصر الميداليات، بل إنه “سَيُتَهْتِه” إذا ما سألته عن مكان دورة الألعاب الأوليمبية السابقة، وبالمناسبة سأكون أنا من هذه العينة العشوائية التي سَتُوَجِّه لها هذه الأسئلة، لأنه ببساطة مثلي كغيري من المصريين؛ لا نجد قناة واحدة أو برنامج واحد دائم مستمر يُكَرِّس كل مواضيعه عن الألعاب الأوليمبية، مقارنة بالعديد والعديد من البرامج الرياضية اليومية المهتمة بكرة القدم وفقط، استوديوهات تحليلية قبل المباراة تمتد لساعات وكأنها المراجعات النهائية قبل الماتش، ثم تقوم ذات الاستوديوهات بتحليل كل ركلة وصفارة وهدف بعد انتهاء الماتش، ويقوم المصريون المتابعون أيضاً بدورهم التحليلي في المنازل والعمل والقهاوي والسوشيال ميديا مغلفاً بكيد وغيظ بعضهم البعض لأيام تالية ليوم الفوز والخسارة ..
لماذا أُوَجِّه اللوم لأصحاب القنوات الفضائية ومقدمي البرامج والمواطنين؟! فأين رعاية الدولة نفسها برياضات أخرى غير كرة القدم؟! بل أين اهتمامها بألعاب كرة أخرى ككرة اليد أو الطائرة أو السلة أو التنس؟! أين الاهتمام بالألعاب الفردية والإعداد الجيد للبطولات المختلفة ولدورة الألعاب الأوليمبية؟! لا يوجد خطط أو استراتيجيات واضحة، لا دعم نفسي أو مادي في ظل غياب تعاون جاد بين الحكومة والاتحادات، حتى الجمود والتعنت مع الأبطال في تأجيل مواعيد الامتحانات التي تأتي بالتزامن مع بطولات، وكأنها خطة ممنهجة للإفشال !!
البعثة المصرية التي تم الإنفاق عليها ما يزيد عن مليون جنيه مصري تتوالى فضائحها، فالعلم السعودي الذي رفرف عالياً في افتتاح الدورة كان أكثر حظاً من العلم المصري الذي اختفى من فوق زي لاعب الجودو، وبدا مشقَّقَاً على زي لاعبة الكرة الشاطئية، بالإضافة إلى وصول منتخب المصارعة متأخراً لسبب بسيط جداً وهو حجز أمتعتهم في مطار القاهرة !! يتجلَّى من نوع الأخطاء انعدام الاهتمام بتفاصيل بديهية مُعطياً مؤشر بمدى الإهمال الذي يوليه المسؤولون لألعاب هي محط نظر العالم كله، ودورة رياضية تتبارى فيها الدول المتقدمة في وضع أعلامها وأسماء أبطالها في المراكز الثلاث الأولى ..
أكاد أقول أن وقوف اللاعبين المصريين على منصة التتويج وتقلّد الميداليات الأوليمبية هو إنجاز شخصي لأصحابها، جاء نتيجة الثقة في الله وفي أنفسهم مقابل الدعم الرسمي الفقير، ومن الجور أن تستمر الدولة في ذلك الإهمال المتعمد تجاه رياضيين مصريين يحرزون بطولات ذهبية وفضية وبرونزية باسم مصر وبأقل الإمكانيات ..
استطاع كثير من الروائيين والكتاب ومخرجي السينما والتليفزيون عرض قيمة ثورة 23 يوليو ونجاحها في قضائها على الطبقية من خلال قصص الحب الرومانسية، وبالرغم من لمحات اليأس واستحالة زواج حبيبين من طبقات متباعدة، إلَّا أن أغلب الأعمال الدرامية أصَّلت لفكرة العدالة الاجتماعية من خلال إكمال قصص الحب وتتويجها بالزواج..
في تلك الأعمال ينتصر الحب على الطبقية والتفرقة الاجتماعية، فابنة الباشوات والأكابر تستطيع أن تتزوج من ابن الجنايني والأفندي كما فعل “علي” و”إنجي” في رواية “رُدِّ قلبي” ليوسف السباعي، والتي تم تجسيدها بعد ثلاثة أعوام في فيلم يحمل اسم الرواية، وكذلك بعد أربعة عقود في مسلسل يحمل نفس الاسم..
أولاً : الرواية
تم إصدار رواية “رد قلبي” لفارس الرومانسية “السباعي” في جزئين سنة 1954، إذ تتناول أحداثاً واقعية في مصر في وقت الإقطاعيين وتجبّرهم على الفلَّاحين، وتم إنتاج الفيلم عام 1957، من سيناريو وحوار وإخراج عز الدين ذو الفقار وبطولة مريم فخر الدين “إنجي”، وشكري سرحان “علي”، أما المسلسل فقد تم إنتاجه عام 1998 بطولة نرمين الفقي ومحمد رياض، سيناريو وحوار مصطفى محرم وإخراج أحمد توفيق..
ثانياً : الفيلم
– في احتفالية مئوية السينما المصرية عام 1996 تم تصنيفه في المركز الثالث عشر ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد..
– رشح المخرج عز الدين ذو الفقار أخاه الصاغ صلاح الدين ذو الفقار للمشاركة في فيلم “رد قلبي” بعد تجربته السينمائية الأولى في فيلم “عيون سهرانة”، وقد اشتهر بعبارة “علي يا ويكا” التي كان ينادي بها أخاه “علي” شكري سرحان في الفيلم..– “إنت من الأحرار يا علي”.. عبارة شهيرة نطق بها الفنان الراحل كمال ياسين وهو يخاطب بها شكري سرحان عند إخباره بانضمامه لتنظيم الضباط الأحرار، وهي من أشهر عبارات الأفلام المصرية..من أحد المشاهد الشهيرة في الفيلم مشهد شفاء “عبد الواحد الجنايني” الذي أصيب بالشلل نتيجة صدمته واتهامه بالجنون عند تقدمه لخطبة “إنجي” ابنة البرنس لابنه “علي” ثم استعادة مقدرته على النطق عندما علم بقيام الثورة..
– أثناء البحث عن أفيش الفيلم على محرك البحث “جوجل” ستجد أفيش مغلوط يحمل اسم الكاتب إحسان عبد القدوس بدلاً من يوسف السباعي..
ثالثاً:المسلسلأبدت مريم فخر الدين أهم الأخطاء التي وقعت في المسلسل؛ “البرانيط” على رأس نرمين الفقي وزيزي البدراوي، إذ إنه من المفترض أن تلك البرانيط لم تكن تستورد من عدد من الدول الأوروبية في تلك الفترة، حيث كانت أوروبا تعيش أزمة الحرب العالمية ولم تكن تصنعها ولا تصدرها لانشغالها بتصنيع الأسلحة، كما علَّقت على الإفراط في المشاهد الرومانسية والسرد والتطويل، كما رأت أنه لا أحد من الممثلات الشابات جدير بذلك الدور، كون الدور يحتاج إلى مواصفات “ملوكية” على حد قولها.